ابن عجيبة

137

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

رواية أخرى : « ليس بكاذب ، من قال خيرا أو نواه » . وأما اعتذاره في حديث الشفاعة ؛ فلهول المطلع ، فيقع الحذر من أدنى شئ . والله تعالى أعلم . الإشارة : لمّا كوشف إبراهيم بعالم الملكوت ، رأى اللّه في الأشياء كلها ، كما ورد في بعض الأثر : ( ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه ) . وإنما قال : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ؛ حذرا من الوقوف مع الحس دون شهود المعنى ، إذ بحر المعاني متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال . وإنما تتغير الأواني دون المعاني ، فشمس المعاني مشرقة على الدوام ، ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال ، ولذلك قيل : طلعت شمس من أحب بليل * واستنارت فما تلاها غروب إنّ شمس النّهار تغرب بالليل * وشمس القلوب ليس لها مغيب أي : طلعت شمس نهار عرفانهم على ليل وجودهم ، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود محبوبهم ، وفي الحكم : « أنار الظواهر بأنوار آثاره ، وأنار السرائر بأنوار أوصافه ، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر ، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر » . قال الجوزي : لما بدا لإبراهيم نجم العلم ، وطلع قمر التوحيد ، وأشرقت شمس المعرفة - قال : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ . . . الآية . ه . قيل : لما نظر إبراهيم عليه السّلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسى ، نودي في سره : يا إبراهيم ، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية ، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية ؛ لأن الوجود كله عين الأحدية ، فافهم معاني الأسماء ، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء ، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى . فقال إبراهيم : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . ه . وفي ذلك يقول الششتري أيضا : لا تنظر إلى الأواني * وخض بحر المعاني لعلّك تراني . ولما احتج إبراهيم عليه السّلام على قومه خاصموه في ذلك ، كما قال تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 80 ] وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) يقول الحق جل جلاله : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ أي : خاصموه في التوحيد ، فقال لهم : أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ أي : في وحدانيته ، أو في الإيمان به ، وقد هداني إلى توحيده وأرشدنى إلى معرفته ، فلا ألتفت إلى غيره ، ولا أعبأ بمن خاصمنى فيه ، والأصل : تحاجونني ، فحذف نافع وابن عامر نون الرفع ، وأبقى نون الوقاية ، وقيل : العكس ، وأدغم الباقون إحدى النونين في الأخرى . الإشارة : مخاصمة العموم لأهل الخصوصية سنّة ماضية ؛ ( ولن تجد لسنة اللّه تبديلا ) ؛ لأنّ من أنكر شيئا عاداه ، فأهل الخصوصية يعذرون من أنكر عليهم ؛ لأن ذلك مبلغهم من العلم ، والعامة لا يعذرون أهل الخصوصية ؛ لخروجهم عن بلادهم ؛ فلا يعرفون ما هم فيه . واللّه تعالى أعلم .